نصر حامد أبو زيد

81

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

ونفس الرؤيا يفسرها شق بن أنمار بقوله : رأيت حممه خرجت من ظلمه فوقعت بين روضه وأكمه فأكلت منها كل ذات نسمه « 1 » وإذا أخذنا هذين المعيارين الأسلوبين في اعتبارنا جنبا إلى جنب مع معيار المضمون ومعيار ارتباط حركة النص بالواقع - فيما عرف بأسباب النزول - أمكننا أن نحل كثيرا من خلافات القدماء حول المكي والمدني . إن حرص القدماء على الفصل بين النص القرآني والنصوص الأخرى في الثقافة وصل إلى حد تأكيد القطيعة الكاملة بين النص والواقع وذلك سعيا للحفاظ على التقدير الذي ظنوه يتعارض مع انطلاق النص من الواقع وتفاعله به . ولو تخلى القدماء هونا ما عن هذا الحرص الشديد على المفارقة بين النص والنصوص الأخرى لأمكنهم أن يفسروا « الحروف المقطعة » في أوائل السور - التي اعتبروها احدى علامات السور المكية - تفسيرا يتباعد بها عن اشكالية « المحكم والمتشابه » ، ويربطها بالسياق الثقافي للنص . لكن ذلك كان مستحيلا على أي حال في اطار مفاهيم الثقافة أولا ، ومع سيطرة الاتجاهات الغيبية التبريرية على تطور حركة الفكر الديني في تراثنا ثانيا . 3 - منهج التلفيق بين الروايات كان من نتيجة عجز المفكر القديم عن ربط النص بالواقع والثقافة بصفة عامة ، وعن ربطه بغيره من النصوص بصفة خاصة ، أنه راح يحاول الترجيح بين الروايات المختلفة المتعارضة حول تحديد ما إذا كان نص بعينه مكيا أو مدنيا . فإذا تساوت عنده معايير الترجيح من حيث صحة السند وصدق الرواة ، وهي معايير النقد الخارجي ، راح يفترض أحد أمرين : الأول أن النص تكرر نزوله ، مرة في مكة ومرة في المدينة . والأمر الثاني أن النص نزل في مكة ولكن حكمه الشرعي والفقهي تأخر حتى المرحلة المدنية . أو بعبارة أخرى يلجأ المفكر القديم إلى افتراض يلغي تماما الفروق بين المكي والمدني من جهة ، ويلغي أسباب النزول من جهة أخرى ، وذلك هو افتراض تكرر النزول . أما الافتراض الثاني وهو افتراض تأخر الحكم عن النص فيؤدي إلى فصل النص عن دلالته وإلى تعليق الدلالة والمعنى وجعلهما خارج النص . وكلا الافتراضين يؤدي إلى شناعات يستحيل أن يتقبلها المفكر القديم ذاته لو مدّ نتائج افتراضاته إلى نهاياتها المنطقية .

--> ( 1 ) انظر : السيرة النبوية ، الجزء الأول ، ص 14 - 16 .